مصطفى صادق الرافعي

129

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

( الفريد ) « 1 » : « إن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالقرآن الذي تحدّى به النبي فلم تقدر على معارضته ؛ فيقال لهم : أخبرونا : لو ادعى مدع لمن تقدم من الفلاسفة . . . مثل دعواكم في القرآن فقال : الدليل على صدق بطليموس أو إقليدس ، إن إقليدس ادعى أن الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه ، أكانت نبوّته تثبت ؟ » . قلنا : فأعجب لهذا الجهل الذي يكون قياسا من أقيسة العلم . . . وأعجب ( للكلام ) الذي يقال فيه : إن هذا كتاب وذلك كتاب فكلاهما كتاب ؛ ولما كان كذلك فأحدهما مثل الآخر ؛ ولما كان أحدهما معجزا فالثاني معجز لا محالة . وما ثبت لصاحب الأول يثبت بالطبع لصاحب الثاني . وما دمنا نعرف أن صاحب الكتاب الثاني لم تثبت له نبوة فنبوة صاحب الأول لا تثبت . . . لعمري إن مثل هذه الأقيسة التي يحسبها ابن الراوندي سبيلا من الحجة وبابا من البرهان لهي في حقيقة العلم كأشدّ هذيان عرفه الأطباء قط ؛ وإلا فأين كتاب من كتاب « 2 » ؟ وأين وضع من وضع ؟ وأين قوم من قوم ؟ وأين رجل من رجل ؟ ولو أن الإعجاز كان في ورق القرآن وفيما يخط عليه ، لكان كل كتاب في الأرض ككل كتاب في الأرض ولاطّرد ذلك القياس كله على ما وصفه كما يطرد القياس عينه في قولنا : إن كل حمار يتنفس ، وابن الراوندي يتنفس ، فابن الراوندي يكون ما ذا . . . ؟ ولو أن مثل هذه السخافة تسمى علما تقوم به الحجة فيما يحتج له ويبطل به البرهان فيما يحتج عليه ، لما بقيت في الأرض حقيقة صريحة ولا حقّ معروف ولا شيء يسمى باسمه ، ولكان هذا اللسان المتكلم قد عبدته أمم كثيرة ، لأن فيه قوة من قوى الخلق ، ولأنك لا تجد سخيفا من سخفاء المتكلمين الذين يعتدون من ذلك علما - كابن الراوندي مثلا - إلا وجدته قد أمعن في سخفه فلا تدري أجعل إلهه هواه ، أم جعل إلهه في فمه « 3 » . . وقد قيل إن هذا الرجل عارض القرآن بكتاب سماه ( التاج ) ولم نقف على شيء منه في كتاب من الكتب ، مع أن أبا الفداء نقل في تاريخه أن العلماء قد أجابوا عن كل ما قاله من معارضة القرآن وغيرها من ( كفرياته ) وبينوا وجه فسد ذلك بالحجج البالغة .

--> ( 1 ) وفي تاريخ أبي الفداء ( الفرند ) وهو تصحيف ، وهذ الكتاب وضعه ابن الراوندي في الطعن على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقد ردوا عليه ونقضوه . ( 2 ) كتاب إقليدس مثلا في الهندسة ، وهي علم فئة ، بخلاف البيان الذي كان طبيعة في العرب لا في فئة منهم ، فاختلفت جهة القياس . ( 3 ) يجنح ابن الراوندي في طعنه إلى الأقيسة الفاسدة يغالط بها . وله من ذلك سخافات عجيبة ، وقد طعن في كتاب ( الزمرة ) على نبوات الأنبياء جميعا وله كتاب ( نعت الحكمة ) يعترض فيه على اللّه إذ كلف خلقه ما أمر به ، فأعجب لهذا حقا .